التقويم التربوي كمدخل لتحسين جودة التعلم ورفع التحصيل الدراسي
يشكل التقويم التربوي اليوم قلب العملية التعليمية وروحها الحية، فلم يعد التعلم مجرد نقل للمعلومات ولا حفظ للدروس كما كان في النماذج القديمة بل أصبح مسارا مستمرا للفهم والبناء والتصحيح والتطوير. ومن هنا تبرز أهمية التقويم في المنظومة التعليمية المعاصرة بوصفه أداة توجيه قبل أن يكون أداة حكم فهو الذي يكشف للمعلم ما تحقق من الأهداف وما تعثر وما يحتاج إلى دعم، وهو الذي يمنح المتعلم صورة صادقة عن مستواه الحقيقي بعيدا عن الوهم أو التخمين وبذلك يتحول التقويم إلى بوصلة ترشد العمل التربوي وتمنع السير في طرق خاطئة.
ومع تطور الفكر التربوي بدأ الوعي يتشكل بأن ثقافة الامتحان التقليدي لم تعد كافية، فثقافة الامتحان تقوم على لحظة واحدة حاسمة قد تظلم المتعلم أو لا تعكس جهده وتجعل الخوف والتوتر يسيطران على القسم بدل الطمأنينة والثقة، كما أنها تختزل التعلم في ورقة وأسئلة مغلقة تقيس الذاكرة أكثر مما تقيس الفهم لذلك برزت الحاجة إلى التحول نحو ثقافة التقويم المستمر ثقافة تتابع التعلم خطوة خطوة وترافق المتعلم في مساره اليومي، حيث تصبح الملاحظة والأنشطة والمشاريع والتغذية الراجعة أجزاء من عملية التقويم فيشعر الطالب أن التقويم يساعده لا يترصده وأن الخطأ فرصة للتعلم لا سببا للعقاب.
ومن جهة أخرى تطرح إشكالية ضعف التحصيل نفسها بإلحاح داخل المدارس، فكثير من المتعلمين يحققون نتائج متدنية رغم الجهود المبذولة في التدريس وهنا يتبين أن الخلل لا يكمن في المتعلم وحده بل في أساليب التقويم أيضا لأن التقويم إذا كان سطحيا أو غير عادل فإنه يعطي صورة مضللة عن التعلم وقد يدفع المعلم إلى قرارات خاطئة تزيد الفجوة بدل أن تقلصها، أما حين يكون التقويم دقيقا ومنصفا ومتنوعا فإنه يكشف مواطن القوة والضعف بوضوح ويساعد على تصميم دعم تربوي مناسب لكل حالة وبذلك يرتبط التقويم ارتباطا وثيقا بجودة التعلم وجودة المخرجات فكلما تحسن التقويم تحسنت معه طرق التدريس وارتفع مستوى التحصيل بشكل طبيعي.
وهكذا يتضح أن التقويم ليس مرحلة تلي التعليم بل هو جزء منه ومتداخل معه هو عملية مستمرة تتنفس مع الدرس وتكبر معه، فإذا أحسن توظيفه صار جسرا نحو تعلم أعمق وأكثر عدلا وإنسانية وإذا أسيء استخدامه تحول إلى عبء يثقل المتعلم ويشوّه معنى المدرسة، ومن هنا تنطلق الحاجة إلى إعادة التفكير في فلسفة التقويم وبنائه على أسس حديثة تخدم التعلم حقا لا شكلا فقط، وتجعل المدرسة فضاء للنمو لا مجرد محطة للامتحانات والنتائج الباردة.
الإطار المفاهيمي للتقويم التربوي
يعد الإطار المفاهيمي للتقويم التربوي المدخل الاساس لفهم حقيقة الممارسة التقويمية داخل المدرسة، فكثير من الارتباك الذي يقع فيه المعلمون سببه غموض المفاهيم وتداخل المصطلحات، فحين تتضح المفاهيم تتضح الرؤية ويتحسن الفعل التربوي بشكل طبيعي. لذلك يصبح من الضروري العودة إلى معنى التقويم التربوي بوصفه عملية شاملة ومستمرة، عملية لا تقتصر على جمع الدرجات بل تمتد إلى التشخيص والتفسير واتخاذ القرار. فالتقويم في جوهره حكم تربوي مبني على معطيات دقيقة يهدف إلى تحسين التعلم لا مجرد تصنيفه، ومن هنا نفهم أنه ممارسة إصلاحية قبل أن يكون إجراء حسابيا باردا.
وعند تفكيك المصطلحات يبرز الفرق بين القياس والتقييم والتقويم. فالقياس هو الخطوة الأولى وهو أقرب إلى لغة الارقام والحساب هو تحويل الأداء إلى درجات أو نسب أو مؤشرات كمية فقط، أما التقييم فهو مرحلة تالية نحاول فيها إعطاء قيمة لتلك الأرقام ومعنى تربويا لها، فنقول إن هذه النتيجة جيدة أو متوسطة أو ضعيفة بناء على معايير محددة. لكن التقويم يتجاوز الاثنين معا لأنه أوسع واشمل فهو لا يكتفي بالقياس ولا بالحكم بل يسعى إلى التعديل والتحسين وإعادة البناء أي أنه ينتقل من وصف الواقع إلى تغييره نحو الأفضل وهذا الفارق الدقيق كثيرا ما يختلط في الاستعمال اليومي فيحدث لبس بسيط لكنه مؤثر.
وفي سياق العملية التعليمية يؤدي التقويم وظائف متعددة ومتكاملة، فهو يشخص مستوى المتعلمين في بداية التعلم ليكشف الخلفيات والمعارف السابقة وهو يواكب التعلم أثناء حدوثه ليرصد التقدم ويصحح المسار أول باول، وهو في نهايته يحكم على مدى تحقق الأهداف ويقيس جودة المخرجات كما يساعد المعلم على مراجعة طرائق تدريسه واكتشاف نقاط القوة والقصور في أدائه ويوجه المتعلم إلى معرفة أخطائه وفهم ذاته وبناء ثقته بنفسه، وبهذا يصبح التقويم وسيلة للتعلم المستمر لا لحظة خوف أو تهديد.
أما أنواع التقويم التربوي ومجالاته فهي تعكس هذا التنوع في الوظائف، فهناك تقويم قبلي يمهد الطريق ويكشف نقطة الانطلاق، وهناك تقويم تكويني يرافق المسار التعليمي خطوة خطوة ويقدم تغذية راجعة مستمرة، وهناك تقويم ختامي يلخص النتائج ويعطي صورة إجمالية عن مستوى الإنجاز. كما تتعدد مجالاته بين تقويم المعارف والمهارات والقيم والاتجاهات ويمتد ليشمل أداء المعلم والمنهاج والبيئة المدرسية نفسها، فالتقويم الحقيقي لا يركز على المتعلم وحده بل ينظر إلى المنظومة كاملة.
وهكذا يتضح أن التقويم التربوي ليس إجراءا شكليا بسيطا بل بناء مفاهيمي متكامل يحتاج إلى وعي وفهم عميق، وكلما استوعب المربي هذه المفاهيم بدقة أصبح أكثر قدرة على ممارسة تقويم عادل وفعال، تقويم يخدم التعلم فعلا ويمنح المدرسة معناها التربوي الانساني قبل أي شيء اخر.
الأسس النظرية للتقويم الفعّال
يقوم التقويم الفعال على أسس نظرية راسخة تجعله عملا علميا لا اجتهادا عشوائيا، فهو ليس اختبارا نلقيه في نهاية الدرس ثم نجمع الدرجات وننصرف، بل منظومة فكرية تنطلق من مبادئ القياس التربوي ومن فلسفة التعلم الجيد. وحين تغيب هذه الأسس يتحول التقويم إلى مصدر ظلم وقلق وتشويش أما حين تحضر بوعي فإنها تمنحه المصداقية وتجعله أداة تحسين حقيقية.
ومن أول هذه الأسس مبدأ الصدق، أي أن يقيس التقويم ما وضع من أجله فعلا لا شيئا آخر بالصدفة، فلا معنى لاختبار في الفهم يقيس الحفظ فقط، ولا جدوى من مهمة كتابية تعاقب المتعلم بسبب ضعف لغوي وهي في الأصل لقياس مهارة. فعلمية الصدق هنا هو مطابقة الأداة للهدف ومطابقة السؤال للكفاية المقصودة وهو شرط جوهري لأن أي خلل فيه يضيع الجهد ويعطي نتائج مضللة.
ويأتي بعده مبدأ الثبات الذي يمنح النتائج استقرارا واطمئنانا، فالمتعلم ينبغي أن يحصل على نتيجة متقاربة إذا أعاد الاختبار في ظروف متشابهة. أما التقويم المتقلب الذي تتغير نتائجه كل مرة فهو يزرع الشك ويهدم الثقة، فالثبات يعني أن الأداة دقيقة ومتوازنة وخالية من العشوائية وهو ما يجعل القرارات التربوية المبنية عليها قرارات معقولة وليست مغامرة.
ثم تحضر الموضوعية باعتبارها حماية من تأثير الذات والانطباعات الشخصية، فالدرجات لا ينبغي أن تتأثر بمزاج المصحح أو علاقته بالمتعلمين بل تستند إلى معايير واضحة وسلالم تنقيط دقيقة ومحددة، فالموضوعية تساوي بين الجميع وتقلل من التحيز الخفي الذي قد يتسلل دون قصد وهي قيمة أخلاقية قبل أن تكون تقنية.
وعندما نتحدث عن العدالة وتكافؤ الفرص فإننا ننتقل من الجانب التقني إلى البعد الإنساني، فالتقويم العادل لا يساوي بين المتعلمين شكليا فقط بل يمنح كل واحد منهم فرصة حقيقية ليظهر قدراته، فلا يميز لصالح فئة ثقافية أو لغوية أو اجتماعية معينة، ولا يعاقب من يفتقر إلى موارد أو دعم خارج المدرسة إنه يسعى إلى إزالة العوائق بدل تكريسها ويجعل الاختبار جسرا للإنصاف لا حاجزا للإقصاء.
ويتصل بذلك مبدأ مراعاة الفروق الفردية وأنماط التعلم، فالطلاب ليسوا نسخا متشابهة كما قد نظن بل لكل واحد إيقاعه وطريقته في الفهم والتعبير، فمنهم من يبرع في الكتابة ومنهم من يتألق في الأداء الشفهي أو العملي لذلك فإن تنويع أدوات التقويم يفتح المجال أمام الجميع ويعطي صورة أصدق عن قدراتهم الحقيقية، أما الاكتفاء بنمط واحد فيغلق الأبواب أمام كثير من الطاقات ويشعرهم بالعجز.
ويبقى الارتباط بالأهداف والكفايات هو الخيط الناظم لكل هذه المبادئ، فالتقويم الذي لا يرتبط بالأهداف يتحول إلى نشاط معزول بلا معنى كل سؤال يجب أن يخدم كفاية محددة وكل مهمة ينبغي أن تعكس مهارة مستهدفة، عند ذلك يصبح التقويم جزءا من التعلم نفسه لا مرحلة منفصلة عنه ويشعر المتعلم بأن ما يطلب منه منطقي ومبرر.
وهكذا تتكامل مبادئ الصدق والثبات والموضوعية مع العدالة ومراعاة الفروق والارتباط بالأهداف لتشكل معا أساسا متينا لتقويم فعال وانساني، وفي الوقت ذاته تقويم يوجه التعليم ويطوره لا يربكه ويجعل المدرسة فضاء للثقة والنمو لا فضاء للخوف والقلق وربما بعض الاخطاء الصغيرة التي نتعلم منها كل يوم.
أنماط واستراتيجيات التقويم
تتنوع أنماط واستراتيجيات التقويم بتنوع الأهداف التعليمية وتعدد حاجات المتعلمين، فليس من المنطقي أن نعتمد أسلوبا واحدا نحاكم به كل مراحل التعلم لأن التعلم عملية حية تتحرك وتتغير وتحتاج إلى متابعة مستمرة، ومن هنا ظهر التفكير في تقويم متدرج يرافق المتعلم منذ البداية حتى النهاية تقويم يلاحظ ويشخص ويقيس ويدعم في آن واحد.
ويعد التقويم التكويني القلب النابض لهذه المنظومة فهو لا ينتظر نهاية الوحدة أو نهاية السنة ليصدر الحكم، بل يتدخل أثناء التعلم لحظة بلحظة يراقب الفهم ويكشف التعثرات الصغيرة قبل أن تتحول إلى فجوات كبيرة يعطي للمتعلم فرصة التصحيح الفوري ويمنح المعلم إشارات واضحة لتعديل طريقته، فتصبح الحصة فضاء للحوار والتجريب لا ساحة للامتحان المفاجئ وهكذا يتحول التقويم إلى رفيق للتعلم لا خصم له.
ومن خلال الأسئلة القصيرة والأنشطة الصفية والملاحظات اليومية يتم جمع مؤشرات دقيقة عن تقدم الطلاب، هذه المؤشرات تساعد على إعادة الشرح أو تبسيط المفاهيم أو تنويع الاستراتيجيات فيشعر المتعلم أن الخطأ مسموح وأن التعلم عملية نمو تدريجي، وهذا الاحساس يخفف القلق ويرفع الثقة بالنفس ويجعل المشاركة أكثر جرأة وقد يكتب الطالب اجابة ناقصة ثم يحسنها في المرة التالية وهذا جزء من المسار الطبيعي.
أما التقويم الختامي فيأتي في محطة مختلفة فهو يقيس ما تحقق من أهداف بعد اكتمال مرحلة تعليمية معينة، يمنح صورة شاملة عن مستوى المخرجات ومدى تحقق الكفايات وتعتمد عليه قرارات الانتقال أو الشهادات أو الترتيب، لكنه ينبغي ألا يكون مفصولا عن باقي أشكال التقويم بل يكون تتويجا لمسار طويل من المتابعة والدعم فإذا جاء منفردا صار حكما قاسيا لا يعكس حقيقة الجهد المبذول.
ثم يظهر التقويم التشخيصي بوظيفته الوقائية إذ يركز على الكشف المبكر عن الصعوبات والعوائق يستطلع الخلفيات السابقة ويحدد نقاط القوة والضعف منذ البداية، فهو أشبه بطبيب يفحص قبل وصف الدواء ويساعد المعلم على معرفة من يحتاج إلى دعم إضافي ومن يحتاج إلى تحديات أعمق وبذلك يتم التخطيط للدروس على أسس واقعية لا على افتراضات عامة وهذا يوفر الوقت ويمنع تراكم الاخطاء الصغيرة التي قد تتضخم لاحقا.
ومع تطور الفكر التربوي برز التقويم البديل كخيار أكثر إنسانية وواقعية تقويم يخرج من ضيق الورقة والقلم إلى رحابة الأداء الحقيقي، فتظهر المشاريع وملفات الإنجاز والعروض الشفوية والمهام التطبيقية هذه الأساليب تسمح للمتعلم أن يبرهن على تعلمه في سياقات قريبة من الحياة فيخطط وينفذ ويبدع ويتعاون مع زملائه فتقاس بذلك مهارات التفكير والعمل الجماعي وحل المشكلات لا مجرد استرجاع المعلومات، وقد تكون النتيجة عملا بسيطا لكنه صادق ويعبر عن جهد حقيقي.
وعندما تتكامل هذه الأنماط معا يتشكل نظام تقويم متوازن، التكويني يدعم المسار والتشخيصي يكشف العوائق والختامي يقيس الحصيلة والبديل يفتح آفاق الابداع والتطبيق، عندها يصبح التقويم عملية تعلم مستمرة لا حدثا عابرا وتتحول المدرسة إلى بيئة نمو حقيقي يشعر فيها الطالب انه يتقدم خطوة خطوة وربما يخطئ احيانا ثم يتعلم من خطاه وهذا هو المقصود في النهاية تقويم حي مرن وانساني يخدم التعلم قبل اي شيء آخر.
أدوات التقويم التربوي
تتعدد أدوات التقويم التربوي بتعدد الأهداف التي يسعى التعليم إلى تحقيقها فلا يمكن لأداة واحدة أن تكشف كل جوانب التعلم لأن المعرفة ليست معلومات فقط بل مهارات وقيم واتجاهات وسلوكات، ولهذا كان من الضروري تنويع الوسائل حتى نحصل على صورة أقرب إلى الواقع صورة تعكس ما يعرفه المتعلم وما يستطيع فعله وما يشعر به تجاه ما يتعلم.
وتظل الاختبارات التحريرية من أكثر الأدوات انتشارا في المدارس فهي تسمح بقياس الفهم والاستيعاب واسترجاع المعارف في زمن محدد وتوفر قدرا من الموضوعية وسهولة التصحيح والمقارنة بين النتائج، غير أنها قد تختزل التعلم في الورقة والقلم فقط وقد تظلم بعض المتعلمين الذين يجيدون الأداء العملي أكثر من الكتابي لذلك تحتاج إلى تصميم متزن وصياغة واضحة حتى لا تتحول إلى عبء نفسي ومع ذلك تبقى وسيلة مفيدة إذا أحسن استخدامها وربطها بأهداف دقيقة.
أما الاختبارات الشفوية فتمنح بعدا إنسانيا أكثر قربا من المتعلم تفتح المجال للحوار وتكشف قدرته على التعبير والتفسير والمناقشة، ومن خلالها يستطيع المعلم أن يلاحظ نبرة الصوت وتردد الفهم ولغة الجسد فتظهر مؤشرات لا تكشفها الورقة الصامتة لكنها قد تتأثر بالذاتية أو بعامل الخجل والخوف ولهذا ينبغي ضبط معاييرها والحرص على العدالة بين الجميع.
ثم تأتي شبكات الملاحظة وسلالم التقدير كأدوات دقيقة لمتابعة الأداء حيث يسجل المعلم سلوكات محددة ومهارات متدرجة بشكل منظم فيصبح الحكم مبنيا على مؤشرات واضحة لا على انطباعات عابرة، هذه الشبكات تساعد على تتبع التقدم يوما بعد يوم وتجعل التقويم عملية مستمرة ترافق التعلم في تفاصيله الصغيرة وقد يكتشف المعلم من خلالها تطورا بسيطا لكنه مهم في شخصية الطالب.
وتبرز ملفات الإنجاز كمرآة صادقة لمسار التعلم عبر الزمن يجمع فيها المتعلم أعماله ومحاولاته الأولى وتحسيناته اللاحقة، فيشاهد بنفسه كيف انتقل من مستوى إلى آخر هذا النوع يعزز الشعور بالملكية والمسؤولية عن التعلم ويحول التقويم إلى قصة نمو حقيقية لا إلى رقم جامد وقد تكون بعض الاعمال غير كاملة لكنها تعكس جهدا صادقا وتجربة واقعية.
ويأخذ التقييم الذاتي وتقييم الأقران مكانة خاصة في التربية الحديثة لأنه يدرب المتعلم على التفكير النقدي ومراجعة أخطائه بنفسه يتعلم كيف يحكم على عمله بموضوعية ويستفيد من ملاحظات زملائه فتنشأ ثقافة التعاون بدل التنافس السلبي ويصبح الصف مجتمعا يتعلم أفراده من بعضهم البعض وهنا يتحول المتعلم من متلق سلبي إلى شريك فعلي في التقويم
ومع تطور التكنولوجيا ظهرت الأدوات الرقمية والتقييم الإلكتروني منصات واختبارات تفاعلية وتصحيح آلي وتقارير فورية مفصلة تختصر الوقت وتوفر بيانات دقيقة تساعد على تحليل النتائج بسرعة وتسمح بتنوع الوسائط من صور وفيديو ومحاكاة مما يقرب التعلم من الواقع لكنها تحتاج إلى بنية تقنية جيدة وتكوين مناسب للمعلمين وإلا تحولت إلى عبء جديد بدل أن تكون فرصة للتطوير
وعندما تتكامل كل هذه الأدوات في رؤية واحدة تتشكل منظومة تقويم شاملة ومتوازنة كل أداة تكمل الأخرى وتغطي جانبا من جوانب التعلم فلا يضيع جهد متعلم ولا تختزل قدراته في اختبار واحد وهكذا يصبح التقويم عملية غنية مرنة اقرب للحياة الحقيقية تقويم يلاحظ ويستمع ويقيس ويحلل ثم يساند المتعلم في طريقه خطوة خطوة وربما يخطئ احيانا ثم يتعلم من خطاه وهذا هو المقصود في النهاية
دور المعلم في بناء تقويم فعّال
يتجلى دور المعلم في بناء تقويم فع ال منذ اللحظة التي يضع فيها تصوره للتعلم داخل القسم فالتقويم ليس مرحلة تاتي بعد انتهاء الدرس بل هو جزء من نسيجه اليومي يتنفس مع الشرح ويتحرك مع الانشطة ويتطور مع تفاعل المتعلمين والمعلم الواعي يدرك ان نجاح التقويم يبدأ من التخطيط الهادئ العميق تخطيط يرى الاهداف بوضوح ويربطها بالكفايات المنتظرة لا بمجرد اكمال المقرر
فعندما يخطط للاختبارات والانشطة التقويمية فهو لا يجمع اسئلة عشوائية بل يبنيها على خريطة تعلم دقيقة تحدد ما الذي يجب قياسه ولماذا وكيف يفكر في زمن التنفيذ وفي ظروف المتعلمين وفي الفروق الفردية بينهم ويحاول ان يوازن بين السهولة والتحدي حتى لا يشعر احد بالعجز او الملل هذا التخطيط يمنح التقويم معنى ويجعله اداة منظمة لا مفاجأة مربكة وقد يخطئ احيانا لكنه يعود ليصحح ويعيد النظر في تصميمه من جديد
ثم تأتي مرحلة صياغة الاسئلة التي تكشف حقيقة التعلم فالاسئلة التي تقيس الحفظ وحده لا تعكس عمق الفهم ولا تنمي التفكير بينما الاسئلة التي تطلب التحليل والمقارنة والتفسير تفتح عقول الطلاب وتجعلهم يوظفون معارفهم في مواقف جديدة تشبه الحياة الواقعية وهنا يتحول الاختبار من ورقة صامتة الى مساحة للتفكير والحوار الداخلي ويشعر المتعلم انه مطالب بالفهم لا بالتلقين الاعمى فتنمو لديه مهارات النقد والابداع شيئا فشيئا وربما ببطء لكنه نمو حقيقي
ولا يكتمل التقويم من دون تغذية راجعة بناءة صادقة كلمة طيبة او ملاحظة دقيقة قد تغير مسار طالب كامل المعلم يقدم ملاحظاته بلغة مشجعة لا بلغة ادانة او توبيخ يوضح مواضع القوة قبل نقاط الضعف حتى يحافظ على الثقة ويبين كيف يمكن التحسن بخطوات بسيطة قابلة للتنفيذ فتصبح الاخطاء فرصا للتعلم لا وصمة فشل ويشعر المتعلم ان معلمه يسنده لا يحاكمه
ومع تراكم النتائج يبدأ دور اخر لا يقل اهمية دور قراءة المعطيات وفهم ما تخبر به عن واقع التدريس فاذا لاحظ المعلم ضعفا مشتركا في مهارة معينة اعاد شرحها بطريقة مختلفة واذا وجد تقدما ملحوظا عزز الاستراتيجيات التي اثبتت نجاحها هكذا تتحول نتائج التقويم الى بوصلة توجه العمل اليومي لا الى ارقام توضع في السجلات ثم تنسى فالتقويم الحقيقي هو الذي يقود الى تحسين التدريس باستمرار
وبهذا المعنى يصبح المعلم مصمما تربويا وملاحظا وباحثا في الوقت نفسه يصغي لطلابه ويتعلم من تجاربه ويعدل خططه دون تردد يبني ثقافة صفية قائمة على الفهم والمراجعة والتطوير الدائم وقد تبدو المهمة متعبة احيانا لكنها تمنح التعليم روحا ومعنى فكل خطوة تقويمية مدروسة تقرب المتعلم من النجاح اكثر وهكذا يتشكل تقويم فع ال انساني حي يخطئ ويصحح ويتحسن مع الايام ويصنع تعلما حقيقيا لا مجرد درجات عابرة
دور المتعلم في العملية التقويمية
لم يعد المتعلم في التصور التربوي الحديث متلقيا سلبيا ينتظر الحكم عليه في نهاية الدرس بل اصبح طرفا اساسيا في العملية التقويمية يشارك فيها بوعي ومسؤولية فالتقويم الحقيقي لا ينجح اذا ظل المعلم وحده يراقب ويقرر وانما يكتمل حين يدرك المتعلم موقعه ودوره ويشعر ان صوته مسموع وعندها يتحول الصف الى فضاء شراكة لا ساحة اختبار فقط
ومن اهم ملامح هذه الشراكة مشاركة المتعلم في التقييم الذاتي حيث يتعلم ان ينظر الى عمله بعين ناقدة لا بعين خائفة يقارن بين ما انجزه وما كان ينبغي ان ينجزه يكتشف اخطاءه بنفسه قبل ان يخبره بها غيره ويحاول تصحيحها خطوة خطوة ولو بتردد احيانا هذا التامل الذاتي ينمي لديه الصدق مع النفس ويبعده عن ثقافة الغش او التبرير ويجعله اكثر وعيا بمستواه الحقيقي دون مبالغة او انكار فيشعر ان التقويم فرصة للفهم لا لحظة عقاب
ومع ممارسة التقييم الذاتي تنمو لديه روح تحمل المسؤولية عن التعلم فلا يعود ينتظر الشرح في كل صغيرة وكبيرة ولا يلقي اللوم دائما على المعلم او الظروف بل يسأل نفسه ماذا فعلت انا وماذا كان يمكن ان افعل افضل يتابع واجباته وينظم وقته ويحاول سد ثغراته بنفسه وقد يتعثر مرات كثيرة لكن التجربة تعلمه الاستقلال فيصبح التعلم قرارا شخصيا لا امرا مفروضا من الخارج وهنا تبدأ شخصية المتعلم في النضج شيئا فشيئا
ومن رحم هذه المسؤولية تتولد الدافعية الداخلية دافعية لا ترتبط فقط بالدرجات او المكافآت بل تنبع من رغبة حقيقية في الفهم والانجاز
يشعر المتعلم بمتعة حين ينجح في حل مشكلة معقدة ويحس بالفخر عندما يرى تقدمه مقارنة بالماضي فتصبح النجاحات الصغيرة وقودا يدفعه للاستمرار ويتحول التعلم الى رحلة ذات معنى لا مجرد سباق نحو الشهادة وهذا النوع من الدافعية اكثر ثباتا واعمق اثرا من اي ضغط خارجي
كما يسهم انخراط المتعلم في التقويم في بناء مهارات التفكير الناقد والتامل فعندما يناقش معاييره ويحكم على ادائه ويتقبل الملاحظات
يتعلم كيف يحلل وكيف يستدل وكيف يراجع افكاره لا يقبل الاجابة بسهولة بل يسال لماذا وكيف ويفكر في البدائل ويقارن بين الحلول فتتسع رؤيته وتتكون لديه عادة عقلية تقوم على الفحص والتدقيق وهذه المهارات لا تخدمه في الدراسة فقط بل في حياته كلها
وهكذا يصبح المتعلم شريكا حقيقيا في صناعة تعلمه يقيم ذاته ويتحمل مسؤوليته ويستمد دافعيته من داخله ويمارس التفكير الناقد والتامل بوعي ونضج وقد لا يكون الطريق سهلا دائما لكنه طريق يربي الانسان قبل ان يمنحه المعرفة فالتقويم حين يشرك المتعلم يصنع شخصا مستقلا قادرا على التعلم مدى الحياة لا مجرد حافظ للمقررات او جامع للدرجات فقط
تحليل نتائج التقويم وتوظيف البيانات
لم يعد التقويم التربوي ينتهي عند لحظة اعلان النتائج او توزيع الدرجات على المتعلمين بل تبدأ بعده مرحلة اكثر عمقا واكثر تأثيرا وهي مرحلة تحليل نتائج التقويم وتوظيف البيانات في الفعل التعليمي فهذه المرحلة هي التي تحول الارقام الصامتة الى معان حية وتجعل من الجداول والاحصاءات لغة تكشف حقيقة ما يجري داخل الفصل فمن دون تحليل واع تبقى النتائج مجرد اوراق محفوظة لا قيمة تربوية لها
وتأتي قراءة النتائج احصائيا وتربويا كخطوة اساسية لفهم الصورة كاملة فالقراءة الاحصائية تساعد على حساب المتوسطات ونسب النجاح ومستويات التشتت وتظهر الفروق بين المجموعات وبين الاسئلة السهلة والصعبة لكن الاكتفاء بالارقام وحدها قد يكون مضللا احيانا لذلك لابد من قراءة تربوية تفسر تلك الارقام في ضوء سياق التعلم فارتفاع نسبة الخطأ مثلا قد يدل على صعوبة السؤال او على ضعف في طريقة التدريس وقد يكشف عن خلل في صياغة الاهداف او عدم وضوح التعليمات وهنا يتداخل التحليل الكمي مع الفهم النوعي ليقدم صورة اكثر صدقا وانصافا
ومن خلال هذه القراءة المتأنية تتضح جوانب القوة والضعف بشكل تدريجي فتظهر المهارات التي اتقنها المتعلمون ويمكن البناء عليها
كما تنكشف المجالات التي ما زالت هشة وتحتاج الى دعم اضافي وقد يلاحظ المعلم ان الطلاب يبرعون في الحفظ لكنهم يتعثرون في التحليل او ينجحون في الاسئلة المباشرة ويخطئون في المهام المركبة وهذه الملاحظات ليست احكاما نهائية بل مؤشرات تساعد على التشخيص فالتقويم هنا يصبح مرآة تعكس واقع التعلم بوضوح لا سيفا يصدر الاحكام
وعندما تتحدد مواطن الضعف لا يكفي الاكتفاء بوصفها بل ينبغي الانتقال الى تصميم خطط علاجية وداعمة تعالج الخلل من جذوره
خطط تتضمن اعادة شرح المفاهيم الصعبة باساليب مختلفة وتنويع الانشطة وتقديم تمارين اضافية ودروس دعم فردية او جماعية وقد تشمل توظيف استراتيجيات تعلم نشط او وسائل تعليمية ابسط واوضح كما يمكن تقديم مرافقة خاصة للمتعلمين الذين يحتاجون وقتا اطول
فالغرض ليس تعويض الدرجات بل تعويض الفهم نفسه ومع مرور الوقت تبدأ الفجوات في التضييق ويشعر المتعلم بثقة اكبر في قدرته على التقدم
وتقود هذه الجهود كلها الى مرحلة اتخاذ قرارات تربوية مبنية على الادلة حيث لا يعتمد المعلم على الحدس فقط او الانطباعات الشخصية بل يستند الى بيانات حقيقية تثبت ما يجب تغييره وما ينبغي تثبيته فيقرر تعديل خطة الدروس او تطوير اساليب التقويم او اعادة توزيع الزمن المدرسي وقد تتخذ الادارة بدورها قرارات تتعلق بالتكوين او الدعم المؤسسي فتصبح المدرسة كلها مؤسسة تتعلم من نتائجها وتصحح مسارها باستمرار وهكذا يتحول تحليل النتائج من نشاط ثانوي الى بوصلة توجه العمل التربوي كله ليغدو التقويم اداة اصلاح وتطوير لا مجرد محطة للحساب او الفرز بين المتعلمين
التقويم وجودة التعلم
لم يعد التقويم في المدرسة الحديثة مجرد محطة لقياس الدرجات او اصدار الاحكام النهائية على المتعلمين بل صار جزءا عضويا من مفهوم جودة التعلم نفسه فكل حديث عن تعليم جيد لا يكتمل من دون تقويم واع يكشف ما تحقق وما تعثر لذلك فالعلاقة بين التقويم وجودة التعلم علاقة تلازم لا انفصال فيها اذا صلح التقويم صلح التعلم واذا اختل ضعفت النتائج مهما بذلت الجهود
وعندما ننظر الى التحصيل الدراسي نجد ان التقويم يلعب دور المحرك الخفي الذي يدفعه الى الامام فالمتعلم حين يتلقى تغذية راجعة واضحة يعرف اين اخطأ وكيف يصحح مساره وحين تتنوع اساليب التقويم يشعر بان جهده مقدر وليس محصورا في اختبار واحد فتزداد دافعيته ويقبل على التعلم بثقة اكبر كما ان المعلم من خلال نتائج التقويم يكتشف نقاط القوة التي يمكن تعزيزها ويتبين مواطن الضعف التي تحتاج الى اعادة شرح او تبسيط وبهذا يصبح التحصيل نتيجة طبيعية لمسار تصحيحي مستمر لا صدفة عابرة
ويتسع دور التقويم ليغدو اداة لضمان الجودة المدرسية على مستوى المؤسسة كلها فالمدرسة التي تقيس اداءها بانتظام وتراجع نتائجها تكون اقدر على التطور اما المدرسة التي تكتفي بالروتين دون تحليل فتبقى تراوح مكانها فالتقويم هنا يشبه نبض الجسد يكشف الصحة او يعلن عن الخلل ومن خلاله يمكن معرفة فعالية البرامج والانشطة ومدى تحقيق الاهداف المرسومة فتتخذ القرارات بناء على معطيات حقيقية لا على تخمينات سريعة
كما يظهر اثر التقويم بوضوح في تطوير المناهج وطرق التدريس فحين تتكرر صعوبات معينة في موضوع محدد فهذا مؤشر على ان المحتوى يحتاج مراجعة وقد يكون الاسلوب المعتمد في العرض غير مناسب لمستوى المتعلمين فتدفع نتائج التقويم الى اعادة ترتيب الوحدات او تبسيط المفاهيم او ادماج انشطة تطبيقية اكثر وقد تشجع المعلم على الانتقال من التلقين الى التعلم النشط ومن الحفظ الى الفهم
وهكذا يصبح التقويم قوة دافعة للتجديد لا اداة جامدة لقياس الماضي
ومع تراكم هذه الممارسات يتشكل داخل المؤسسة ما يمكن تسميته بثقافة التحسين المستمر ثقافة تؤمن بان الخطأ فرصة للتعلم وليس وصمة عار وتجعل من الحوار حول النتائج امرا عاديا بين المعلمين والادارة والمتعلمين حيث يتشارك الجميع مسؤولية التطوير بدل تبادل اللوم فتصبح المدرسة ورشة عمل دائمة تبحث عن الافضل كل يوم ويغدو التقويم لغة مشتركة للتأمل والمراجعة والتخطيط وبذلك تتحقق جودة التعلم بصورة تدريجية لكنها عميقة ومستدامة لانها قائمة على وعي دائم ومحاسبة ذاتية صادقة ورغبة حقيقية في التقدم ولو بخطوات صغيرة لكنها ثابتة
التحديات التي تواجه التقويم التربوي
يواجه التقويم التربوي في الواقع المدرسي جملة من التحديات التي تجعل تطبيقه بالصورة المنشودة امرا معقدا ومتعبا في كثير من الاحيان فهو ليس مجرد اعداد اختبار او جمع درجات بل عملية متكاملة تحتاج وقتا وتخطيطا وخبرة غير ان البيئة التعليمية كثيرا ما تفرض قيودا تحد من فاعليته وتفرغه من مقاصده الحقيقية
يأتي ضغط المناهج في مقدمة هذه الصعوبات فالمعلم يجد نفسه مطالبا بانهاء كم كبير من المضامين خلال فترة زمنية قصيرة فيتحول همه الى السباق مع الزمن بدل التثبت من فهم المتعلمين ومع هذا الضغط يصبح التقويم عملا سريعا ينجز على عجل فتختزل الاختبارات في اسئلة مباشرة تقيس الحفظ فقط ويضيع التقويم التكويني الذي يحتاج الى متابعة وملاحظة وحوار وكأن الزمن يسرق من التقويم روحه التربوية شيئا فشيئا
ويرتبط بذلك ضيق الوقت داخل الحصة الدراسية فالدرس بالكاد يكفي للشرح والانشطة فكيف يجد المعلم فسحة للتشخيص الفردي او تقديم تغذية راجعة مفصلة لذلك تؤجل عمليات التقويم او تختصر في اجراءات شكلية فيشعر المتعلم ان الاختبار مجرد محطة للدرجات لا فرصة للتعلم وهنا يتراجع دور التقويم من اداة اصلاح الى عبء اضافي
ومن التحديات ايضا ضعف التكوين في مجال التقويم فكثير من المعلمين لم يتلقوا تدريبا كافيا حول بناء الادوات او تحليل النتائج فتبقى ممارساتهم مستندة الى الخبرة الشخصية او التقليد وقد يخلط البعض بين القياس والتقويم ولا يميز بين الصدق والثبات والموضوعية فتخرج الاختبارات غير دقيقة او غير عادلة دون قصد وهذا الضعف المعرفي يجعل التقويم نشاطا روتينيا لا ممارسة علمية واعية
ويظهر اثر ذلك في مسألة التحيز داخل الاختبارات اذ قد تتضمن الاسئلة لغة معقدة او امثلة قريبة من بيئة معينة دون اخرى فيتفوق بعض المتعلمين بسبب خلفياتهم لا بسبب كفاءتهم الحقيقية وقد يتأثر التصحيح بانطباعات شخصية او توقعات مسبقة فتضيع العدالة التي يفترض ان تكون اساس كل تقويم ويشعر بعض الطلاب بان النتائج لا تعكس جهودهم فيفقدون الثقة في العملية كلها
وتبرز كذلك مقاومة الاساليب الحديثة للتقويم فبعض المعلمين او الادارات يفضلون النمط التقليدي لانه مألوف وسهل التنظيم ويرون في المشاريع وملفات الانجاز والتقييم البديل عملا مرهقا او غير مضمون النتائج كما قد يتخوف اولياء الامور من كل جديد لا يشبه الامتحان الكلاسيكي فتنشأ مقاومة خفية تعطل محاولات التطوير ويبقى التقويم اسير العادات القديمة رغم تغير حاجات المتعلمين
وهكذا تتداخل هذه العوامل كلها لتشكل شبكة من العراقيل المتشابكة ضغط المناهج يسرع العمل وضيق الوقت يحد من العمق وضعف التكوين يقلل الجودة والتحيز يهدد العدالة والمقاومة تجمد التغيير فلا يمكن اصلاح التقويم بمعالجة جانب واحد فقط بل يحتاج الامر الى رؤية شاملة تعيد الاعتبار للتقويم بوصفه قلب العملية التعليمية وتمنحه الوقت والتكوين والدعم حتى يؤدي رسالته كما ينبغي ولو بخطوات بسيطة لكنها صادقة ومتدرجة
استراتيجيات تطوير التقويم
يعد تطوير التقويم التربوي خطوة اساسية لكل مدرسة تطمح الى تعليم حي ومتجدد لا يكتفي بقياس الدرجات بل يسعى الى تحسين التعلم نفسه فالتقويم حين يبقى جامدا يفقد قدرته على التأثير ويتحول الى عادة ادارية فقط اما حين يتطور باستمرار فانه يصبح اداة للتجديد ومرآة صادقة تعكس واقع الممارسة الصفية
وينطلق هذا التطوير اولا من التكوين المستمر للمعلمين لان المعلم هو قلب العملية التقويمية ومحركها الحقيقي فلا يمكن انتظار تقويم فعال من معلم لم يتدرب على بناء الادوات او تحليل النتائج التكوين يفتح امامه افاقا جديدة في فهم مفاهيم مثل الصدق والثبات والموضوعية ويعلمه كيف يصوغ اسئلة تقيس الفهم العميق لا مجرد الحفظ وكيف يستخدم التغذية الراجعة بطريقة انسانية داعمة ومع الوقت تتشكل لديه خبرة مهنية تجعله اكثر ثقة ومرونة فيتحول التقويم عنده من عبء ثقيل الى ممارسة واعية وهادفة وربما يخطئ احيانا لكنه يتعلم من خطاه
وياتي بعد ذلك توظيف التكنولوجيا التعليمية كرافعة قوية للتطوير فالتقنيات الرقمية لم تعد ترفا بل ضرورة المنصات الالكترونية تتيح بناء اختبارات متنوعة وتصحيحا سريعا وتحليلا فوريا للبيانات فتوفر وقتا وجهدا يمكن استثماره في دعم المتعلمين كما تسمح بتتبع تقدم الطالب بشكل مستمر لا لحظة واحدة فقط وتفتح المجال امام انماط تقويم جديدة مثل الاختبارات التكيفية وملفات الانجاز الرقمية ومع ذلك ينبغي استخدامها بوعي حتى لا تتحول الى ارقام جافة بلا معنى تربوي
ومن الاستراتيجيات المهمة ايضا تبادل الخبرات داخل المؤسسات فالعمل الفردي مهما كان متقنا يبقى محدودا اما حين يجتمع المعلمون للحوار حول تجاربهم فان المعرفة تتضاعف يناقشون نماذج اسئلة ناجحة ويتبادلون طرق التصحيح ويحللون الصعوبات المشتركة فتنشأ ثقافة مهنية قائمة على التعاون لا المنافسة ويتعلم كل واحد من اخطاء الاخر دون حرج هذا التشارك يصنع مجتمعا تعلميا حقيقيا يشعر فيه الجميع بانهم في مركب واحد
ولا يكتمل التطوير دون اعتماد سياسات تقويم منصفة وشاملة على مستوى المؤسسة فالممارسات الفردية تحتاج اطارا تنظيميا يحميها ويضمن استمراريتها السياسات الواضحة تحدد معايير تصميم الاختبارات وتؤكد على العدالة وتكافؤ الفرص وتنظم عمليات المراجعة والتدقيق لتقليل التحيز كما تشجع التنوع في الادوات حتى تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين وحين تكون القواعد واضحة يشعر الجميع بالطمأنينة والشفافية
وهكذا تتكامل هذه المسارات في ما بينها بشكل طبيعي تكوين المعلم يمنحه الكفاءة والتكنولوجيا تمنحه الوسائل وتبادل الخبرات يمنحه الدعم والسياسات المنصفة تمنحه الاطار والاتجاه فاذا اجتمعت هذه العناصر صار التقويم اكثر نضجا وفاعلية وصار قادرا على خدمة التعلم لا الحكم عليه فقط وعندها تبدأ المدرسة فعلا في بناء ثقافة تقويم حقيقية ثقافة تتطور كل يوم حتى لو بخطوات بسيطة لكنها صادقة وتراكمية
الأبعاد الأخلاقية والإنسانية للتقويم
يرتبط التقويم التربوي في جوهره بعد اخلاقي عميق قبل ان يكون اجراء فنيا او تقنية للقياسلافهو يتعامل مع انسان له مشاعر وطموحات وتاريخ شخصي لا مع ارقام صماء ولهذا فان كل ممارسة تقويمية تخلو من الحس الانساني تتحول شيئا فشيئا الى اداة ضغط وربما ظلم دون ان نشعر
وتاتي النزاهة في مقدمة هذه القيم باعتبارها الاساس الذي يقوم عليه العدل فالمعلم النزيه لا يجامل ولا ينتقم ولا يسمح لميوله الشخصية ان تتدخل في الحكم يصحح بضمير حي ويعطي كل ذي حق حقه حتى لو خالف توقعاته ويحرص على ان تكون الاسئلة ممثلة لما تعلمه الطلاب فعلا لا مفاجئات مربكة لان النزاهة هنا ليست شعارا بل ممارسة يومية دقيقة وربما يخطئ المعلم احيانا لكنه يراجع نفسه ويصحح مساره
وترتبط النزاهة بالشفافية ارتباطا وثيقا فالشفافية تعني ان يعرف المتعلم معايير التقويم منذ البداية يفهم كيف ستحتسب الدرجة ولماذا حصل على هذه النتيجة دون غموض او اسرار وحين تتضح القواعد يقل القلق ويزداد الشعور بالثقة ويصبح التقويم عملية مفهومة يمكن التنبؤ بها لا لغزا يخيف الطلاب وهذا الوضوح يزرع الطمأنينة في الجو الصفي ويخفف الكثير من سوء الفهم
ثم ياتي احترام كرامة المتعلم بوصفه بعدا انسانيا لا يمكن التنازل عنه فالطالب ليس موضوع اختبار فقط بل هو انسان يستحق التقدير طريقة عرض الاسئلة ونبرة الخطاب واسلوب التعليق كلها رسائل ضمنية اما ان ترفع من شأنه او تحبطه حين يخاطبه المعلم باحترام ويقدر جهده حتى لو كانت النتيجة ضعيفة يشعر بانه قادر على التحسن اما السخرية او المقارنات الجارحة فتترك ندوبا نفسية قد تبقى زمنا طويلا لذلك يصبح التقويم مساحة للرعاية والتشجيع لا للحكم القاسي
وتبرز كذلك قيمة سرية النتائج كحماية لخصوصية المتعلم فالدرجات ليست مادة للتشهير او المقارنة العلنية انما هي معلومات شخصية ينبغي التعامل معها بحذر ومسؤولية حين تحفظ النتائج في اطارها التربوي يشعر الطالب بالامان ولا يخشى ان يتحول ضعفه المؤقت الى وصمة امام زملائه وهذا الامان النفسي شرط اساسي لاي تعلم حقيقي وصادق
ومن هنا يتضح ان الغاية الكبرى هي جعل التقويم وسيلة دعم لا وسيلة عقاب فالتقويم الذي يعاقب يزرع الخوف ويغلق ابواب المبادرة اما التقويم الداعم فيكشف الاخطاء ليحولها الى فرص للتعلم يقدم تغذية راجعة بناءة ويقترح مسارات للتحسن ويمنح فرصا جديدة للمحاولة فيتعلم الطالب ان الخطأ خطوة طبيعية في طريق النجاح لا نهاية الطريق
وعندما تجتمع النزاهة مع الشفافية ومع احترام الكرامة ومع سرية النتائج يتشكل مناخ اخلاقي وانساني يشعر فيه الجميع بالعدل والاطمنان عندها يصبح التقويم عملا تربويا نبيلا يساهم في بناء الشخصية قبل قياس المعرفة ويتحول من مجرد اختبار عابر الى رسالة انسانية عميقة هدفها مساعدة المتعلم على النمو والتقدم خطوة بعد خطوة ولو ببطء لكنه تقدم حقيقي وصادق
خاتمة
يعتبر التقويم التربوي حجر الزاوية في أي عملية تعليمية ناجحة فهو ليس مجرد وسيلة لقياس التحصيل أو رصد العلامات بل هو أداة استراتيجية لتحسين جودة التعلم بشكل مستمر ويعكس مدى قدرة المنظومة التعليمية على تلبية احتياجات المتعلمين ويساعد المعلمين على تحديد نقاط القوة ونقاط الضعف في الأداء الدراسي للطلاب وتوجيه جهودهم نحو تطوير المهارات والمعارف بطريقة منهجية ومنسقة وعندما يُنظر إلى التقويم كعملية تطويرية مستمرة يتضح دوره في تحويل الفجوات التعليمية إلى فرص للتعلم والتحسين ويصبح كل اختبار وكل نشاط تقويمي فرصة لفهم مدى تقدم الطلاب وتمكينهم من التعلم الذاتي والمبادرة ويتيح للمعلم إعادة تخطيط الدروس وتكييف استراتيجيات التدريس بما يتوافق مع مستويات الطلاب المختلفة ويحفز الطلاب على التفكير النقدي والتحليل العميق ويجعل التعلم أكثر فعالية واستدامة كما يرتبط التقويم بعملية اتخاذ القرار التربوي على مستوى المدرسة حيث يمكن استخدام نتائجه لتطوير المناهج ووضع سياسات تعليمية داعمة وتحسين الموارد التعليمية كما يعزز التقويم الفعّال من ثقافة الجودة داخل المؤسسة التعليمية فحين تُدمج نتائج التقويم ضمن برامج التطوير المهني للمعلمين وتُشارك مع الإدارة في وضع خطط تحسين الأداء يصبح التقويم جزءا من استراتيجية شاملة لضمان التعلم الجيد ويخلق بيئة صفية تشجع الطلاب على التفاعل والمشاركة والنمو الشخصي والمعرفي ويؤكد التقويم على أن التعليم عملية ديناميكية تحتاج إلى متابعة مستمرة وتغذية راجعة مستمرة تجعل كل تجربة تعليمية فرصة للتطوير والتحسين ويشجع على الابتكار في طرق التدريس وتطبيق استراتيجيات تعلم متنوعة تتماشى مع احتياجات الطلاب ويؤكد على أهمية إشراك المتعلمين في فهم نتائجهم وتحليل أدائهم ليصبحوا مشاركين فاعلين في عملية التعلم ويعزز لديهم حس المسؤولية والدافعية الداخلية نحو التعلم المستمر ويجعل المدرسة بيئة تعليمية متكاملة تركز على التطوير الفردي والجماعي ويؤكد أن التحصيل الدراسي لا يقاس بعلامة فقط بل بمقدار النمو الذي يحققه الطالب في مهاراته وفهمه ووعيّه ويبرز التقويم كأداة لبناء ثقافة مدرسية شاملة تحفز المعلمين على التميز وتشجع الطلاب على المشاركة وتحترم الفروق الفردية وتتيح للجميع فرص متساوية للنجاح ويؤكد على أن التقويم الفعّال يربط بين التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتغذية الراجعة ويجعل كل خطوة تعليمية مدروسة وهادفة ويحول العملية التعليمية من مجرد نقل للمعرفة إلى تجربة تنموية متكاملة تدعم التفكير النقدي والإبداعي وتؤسس لمستقبل تعليمي أفضل وتدعو جميع الأطراف داخل المدرسة إلى تبني ثقافة مستدامة قائمة على التقويم المستمر والتطوير الفعّال بحيث تصبح المدرسة مساحة حقيقية للنمو والتعلم والتميز