درس تعليمي 21: فقه الإمامة في الصلاة عند المالكية شرح شروط الإمام وضوابط الاقتداء من متن ابن عاشر
![]() |
| مشهد يبرز نظام الجماعة والاقتداء بالإمام في الصلاة وفق المذهب المالكي |
يقول عبد الواحد بن عاشر رحمه الله في فقه الإمامة في الصلاة في نظمه المرشد المعين على الضروري من علوم الدين:
شَــرْطُ الإِمَــامِ ذَكَـرٌ مُكَـلَّـفٌ *** آتٍ بِالأَرْكَانِ وَحُكْمًا يَعْرِفُ
وَغَيْرُ ذِي فِسْقٍ وَلَحْـنٍ وَاقْتِـدَا *** فِـي جُـمْعَـةٍ حُـرٌّ مُـقِيـمٌ عَــدَدا
وَيُكْرَهُ السَّلَسُ وَالْقُرُوحُ مَعْ *** بَـادٍ لِغَـيْرِهِ وَمَـنْ يُـكْرَهُ دُعْ
وَكَـالأَشَــلِّ وَإِمَــامَــةٍ بِــلا *** رِدًّا بِمَسْجِدٍ صَلاةٌ تُجْتَلَى
بَيْـنَ الأَسَـاطِينِ وَقُـدَّامَ الإِمَـامِ *** جَمَاعَةٌ بَعْدَ صَلاةِ ذِي الْتِزَامِ
وَرَاتِـبٌ مَجْـهُولٌ أَوْ مَـنْ أُبِنَا *** وَأَغْلَفٌ عَبْدٌ خَصِيٌّ ابْنُ زِنَا
وَجَازَ عَـنِّينٌ وَأَعْـمَى أَلْـكَنُ *** مَجْذُومٌ خَفٌّ وَهَذَا الْمُمْكِنُ
تعد الإمامة في الصلاة من القضايا المركزية في فقه العبادات إذ بها تنتظم الجماعة وتتحقق صورة الصلاة التي أرادها الشارع الحكيم، فالإمامة في أصل معناها تقديم شخص ليُقتدى به في أفعال الصلاة وأقوالها وهذا التقديم ليس تشريفا مجردا بل هو تكليف ومسؤولية تستلزم أهلية علمية وسلوكية حتى تكون الصلاة صحيحة ومطمئنة.
وتظهر أهمية الإمامة من كونها وسيلة لحفظ وحدة الجماعة، فاجتماع المصلين خلف إمام واحد يزيل الاضطراب ويمنع الاختلاف في الحركات والهيئات ويجعل الصلاة عبادة جماعية منسجمة متكاملة فيها معنى الاجتماع والطاعة والائتلاف، كما أن الإمامة تحقق مقصدا تربويا عظيما إذ يتعلم المأموم الانقياد المشروع والالتزام بالنظام فلا يسبق الإمام ولا يخالفه ولا يستقل عنه بالفعل، وبذلك يتدرب المسلم على ضبط النفس وتقديم مصلحة الجماعة على رغبة الفرد وهي قيمة أساسية في بناء المجتمع الإسلامي.
أما من حيث الحكم الشرعي فالإمامة مشروعة تبعا لمشروعية صلاة الجماعة وقد واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأقامها الصحابة من بعده في الحضر والسفر مما يدل على رسوخها في العمل الإسلامي حتى صارت من معالم الدين الظاهرة، ويبرز المقصد الشرعي من تقديم الإمام في كونه مرجعا للمصلين في صحة الأركان والهيئات وضابطا لسير الصلاة من بدايتها إلى ختامها فلا يترك الناس لاجتهادات فردية قد تفسد العبادة بل يجتمعون على فعل واحد مضبوط تتحقق به الطمأنينة والخشوع.
ومن هنا كان وجوب الاقتداء بالإمام، فهو التزام عملي لا مجرد متابعة شكلية يظهر في موافقة الإمام في الركوع والسجود والقيام وفي ترك المخالفة والمسابقة حتى تكتمل صورة الجماعة المشروعة، وبذلك يتبين أن الإمامة ليست مسألة تنظيمية فقط بل عبادة مقصودة ومقصد شرعي عميق تجمع بين صحة الصلاة ووحدة الصف وتزكية النفوس وتعويدها على النظام والطاعة وهو ما اعتنى به فقهاء المالكية تنظيرا وتفصيلا في أبواب الإمامة.
شروط الإمام المتعلقة بالذات
ومن أول هذه الشروط شرط الذكورة إذ اشترطها المالكية في إمامة الصلوات الجماعية العامة وخاصة الصلوات الجهرية التي يظهر فيها صوت الإمام وأفعاله، وذلك سدا لذريعة الاختلاط ومراعاة لمقاصد الستر والوقار ولأن الجماعة موضع ظهور وشعيرة عامة تحتاج إلى ضبط وانتظام.
ويأتي بعد ذلك شرط التكليف وهو جامع لوصفي العقل والبلوغ فالعقل هو آلة الفهم والتمييز وبه يدرك المصلي أفعال الصلاة وأحكامها، ومن لا عقل له لا يؤمن عليه السهو ولا الضبط، والبلوغ علامة تمام الأهلية وتحمل المسؤولية الشرعية فلا تصح إمامة من لم يكتمل إدراكه ولا استقرت تكاليفه.
كما اشترط الفقهاء أن يكون الإمام آتيا بأركان الصلاة أي قادرا على الإتيان بها صحيحة في نفسها غير عاجز عن الركوع أو السجود أو القيام مع القدرة، ولا مفرطا فيها بترك أو إخلال لأن من عجز عن ركن أو أخل به لا يتحمل عن غيره ولا يكون فعله مرجعا يقتدى به في العبادة.
ويتصل بذلك شرط العلم بحكم الصلاة وهو علم إجمالي يمكن الإمام من تمييز الفرض من السنة والركن من الهيأة ويجعله قادرا على تصحيح صلاته وصلاة من خلفه خصوصا عند وقوع السهو أو الخطأ، فالإمام الجاهل قد يوقع الجماعة في بطلان أو اضطراب بينما العالم بحكم الصلاة يدبر السهو ويضبط أفعال المأمومين.
ومن هنا يظهر أن هذه الشروط ليست شكليات مجردة بل مقاصدها حفظ الصلاة وصيانة الجماعة وتحقيق الطمأنينة للمأمومين حتى يدخلوا في الصلاة وهم على ثقة بأن من أمامهم أهل للاقتداء وقادر على حمل أمانة الإمامة.
شروط تتعلق بالدين والاستقامة
تتعلق شروط الإمامة في هذا الجانب بجوهر الدين وروح العبادة، إذ إن الصلاة جماعة ليست مجرد أفعال متتابعة بل هي مقام اقتداء وتأثر وسلوك ظاهر وباطن، ولهذا اشترط المالكية في الإمام العدالة الظاهرة صيانة لشعيرة الجماعة، والعدالة الظاهرة معناها استقامة السلوك في الجملة والمواظبة على الفرائض واجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر من غير تكلف تفتيش عن السرائر، لأن الشريعة تبني الأحكام على الظاهر وتكل البواطن إلى الله سبحانه.
ومن هنا نفهم معنى نفي الفسق عن الإمام، فالفسق هو الخروج عن طاعة الله بارتكاب كبيرة أو بالإصرار على صغيرة مع المجاهرة والاستخفاف، وهذا الوصف إذا غلب على الشخص أضعف أهليته للاقتداء لأن الإمام قدوة والمأموم يتأسى به قولا وفعلا. ولهذا قرر المالكية أن الفاسق لا يُقتدى به اختيارا حفاظا على هيبة الصلاة وسدا لباب التهاون بالشعائر وتربية للناس على تعظيم مقام الإمامة، غير أنهم راعوا واقع الناس وحاجاتهم فأجازوا الاقتداء به عند الضرورة كأن لا يوجد غيره أو يخشى فوات الجماعة.
وأثر الفسق في الإمامة عند المالكية أثر معنوي وفقهي فمن جهة المعنى يقدح في كمال الصلاة وجمالها، ومن جهة الحكم لا تبطل الصلاة خلفه مع الكراهة إذا لم يوجد غيره وذلك مراعاة لأصل الجماعة وعدم تعطيلها. ويتجلى في هذا الباب توازن المذهب المالكي بين تعظيم شأن الاستقامة وبين مراعاة أحوال الناس ودفع الحرج عنهم فلا تسقط الجماعة بفسق الإمام ولا تُرفع قيمة العدالة من شروط الإمامة.
وهكذا يظهر أن شرط العدالة ليس تشديدا مجردا بل هو حماية لروح الصلاة وتحقيق لمعنى الاقتداء الصادق وترسيخ لقيم الاستقامة في نفوس المصلين حتى تبقى الجماعة مدرسة أخلاق وسلوك قبل أن تكون صفوفا وحركات.
شرط سلامة اللسان من اللحن المفسد
يُعد شرط سلامة اللسان من اللحن المفسد من الشروط الدقيقة في باب الإمامة لأن الصلاة قائمة على القرآن والذكر، والإمام هو لسان الجماعة وموضع اقتدائها فإذا اختل اللسان اختل المعنى واضطرب الأداء. واللحن في اصطلاح الفقهاء: هو الخطأ في القراءة، وينقسم إلى لحن جلي ولحن خفي. فاللحن الجلي هو ما يغيّر المعنى تغييرا بينا كرفع منصوب أو كسر مرفوع أو قلب لفظ يترتب عليه فساد المعنى وهذا النوع ظاهر يدركه العامة قبل الخاصة. أما اللحن الخفي فهو ما لا يغيّر المعنى وإنما يخل بالكمال أو يخالف قواعد التجويد كترك غنة أو مد أو إدغام، وهذا يقع فيه كثير من الناس ولا يفسد به المعنى ولا تبطل به الصلاة.
وعند المالكية يمنع الاقتداء بالإمام إذا كان لحنه جليا مفسدا لأن الإمام حينئذ لا يأتي بالفرض على وجهه ولا يؤمن أن يفسد صلاة من خلفه خاصة إذا كان اللحن في الفاتحة وهي ركن لا تصح الصلاة بدونها، أما إذا كان اللحن خفيا أو يسيرا لا يغير المعنى فإنه لا يمنع صحة الاقتداء وإن كره تقديمه مع وجود من هو أولى منه لأن المقصود من الإمامة تحصيل الجماعة مع حفظ أركان الصلاة ومعانيها.
ومن التطبيقات الفقهية أن من قرأ "أنعمتُ عليهم" بالضم بدل الفتح أو قال "إياك نعبدُ" بكسر الدال، فهذا لحن جلي يغير المعنى ولا تصح إمامته عند المالكية، أما من قصر مدا أو لم يحسن إخراج بعض الحروف مع بقاء المعنى أو أخطأ في أحكام التجويد فهذا لحن خفي تصح به الصلاة ويصح الاقتداء مع الكراهة.
ويتضح من هذا أن المالكية راعوا المعنى قبل الصوت وجعلوا ميزان المنع هو فساد المعنى لا مجرد الخطأ جمعا بين حفظ قدسية الصلاة ورفع الحرج عن عامة الناس وتحقيق مقصود الجماعة من غير تشدد ولا تسيب.
أحكام خاصة بإمامة الجمعة
تتميز إمامة الجمعة بأحكام خاصة تجعلها أضيق نطاقا من إمامة سائر الصلوات وذلك لما لصلاة الجمعة من مكانة عظيمة وشروط معتبرة فهي ليست مجرد صلاة جماعة بل شعيرة جامعة تقوم مقام الظهر وترتبط بالخطبة والاجتماع العام للمسلمين. ولهذا اشترط المالكية في إمام الجمعة شروطا زائدة حفظا لمقصود الاجتماع وصيانة لهذه العبادة، ومن هنا جاء قول ابن عاشر: "في جمعة حر مقيم عددا" وهو قول جامع لأهم الضوابط المتعلقة بإمام الجمعة
فأما اشتراط الحرية فمبناه أن الجمعة من شعائر الولاية العامة والعبد مشغول بحق سيده ولا يملك أمر نفسه على وجه الاستقلال، فلا يقدم للإمامة في جمعة إلا الحر تحقيقا لمعنى الاستقرار والكمال في تحمل المسؤولية.
وأما شرط الإقامة فالمقصود به أن يكون الإمام من أهل الموطن غير مسافر ولا متنقل، لأن الجمعة مرتبطة بالاستيطان وتنعقد بأهل البلد المستقرين، فلا تصح إمامة المسافر فيها عند المالكية لأن الأصل فيها الدوام لا العبور.
وأما العدد المعتبر فهو من أعمدة الجمعة التي لا تقوم إلا بها، فالإمام داخل في هذا العدد ولا تصح الجمعة إلا بجماعة معتبرة تجمع الإمام والمأمومين ويتحقق بها معنى الاجتماع العام لا مجرد صلاة أفراد والعدد عند المالكية شرط صحة، ووجود الإمام فيه لازم لأنه هو القائم بالصلاة والخطبة فإذا اختل العدد أو كان الإمام خارجا عنه اختل شرط الجمعة ورجعت ظهرا. ومن خلال هذه الشروط يظهر الفرق بين إمامة الجمعة وإمامة سائر الصلوات، فالجمعة عبادة ذات طابع جماعي عام لا تقبل التوسع ولا التهاون في شروطها.
وهنا تبرز حكمة الفقه المالكي في ربط الإمامة بالحرية والإقامة والعدد لتحقيق وحدة الجماعة وحفظ نظام العبادة وصيانة مقصد الجمعة في جمع القلوب والأبدان على طاعة الله في موطن واحد وزمان واحد.
أحكام تتعلق بالعيوب البدنية
تتعرض كتب الفقه المالكي لمسألة العيوب البدنية في الإمامة لا من باب الانتقاص من الأشخاص بل من جهة مراعاة كمال الصلاة وسكون الجماعة وانتظامها، لأن الإمام محل اقتداء ونظر وأي وصف ظاهر قد يؤثر في خشوع المأمومين أو طمأنينتهم. ومن ذلك حكم من به سلس بول أو ريح فهذا عذره معتبر في نفسه وتصح صلاته لنفسه على وجه التخفيف، غير أن إمامته مكروهة لما يترتب عليها من كثرة الشك واحتمال خروج الحدث أثناء الصلاة مما يوقع الجماعة في اضطراب وتردد.
وكذلك من به قروح مكشوفة إذا كان يظهر منها دم أو رائحة أو منظر يؤذي فإمامته مكروهة لا لفساد الصلاة بل دفعا للنفرة ومراعاة لأدب الجماعة فإن خلت من الأذى الظاهر خف الحكم. ومن هذا الباب حكم الأشل، وهو من فقد يدا أو تعطلت حركته فلا تمنع إمامته من حيث الصحة لكنها تكره إذا كان عجزه يمنعه من إتمام الهيئات أو يشوش على المأمومين في المتابعة.
وهنا يظهر الفرق بين الكراهة والمنع، فالمنع يكون حيث تفسد الصلاة أو يختل ركن أو شرط، أما الكراهة فمحلها صحة الصلاة مع فوات الكمال ووجود ما ينافي الأولى في حق الجماعة. ولهذا أجاز المالكية إمامة الأعمى إذا كان ضابطا للصلاة حافظا لأوقاتها وأركانها عارفا بالقبلة لأن العمى لا يؤثر في صحة الأفعال ولا الأقوال بل قد يكون الأعمى أضبط وأخشع. وكذلك العنين وهو من عجز عن الجماع فلا أثر لذلك في الصلاة ولا في الإمامة فجوزت إمامته بلا كراهة لانعدام الصلة بين العيب وحقيقة العبادة.
وأما الألكن فإن كان لحنه غير مفسد وتؤدى به الفاتحة على وجه صحيح جازت إمامته مع الكراهة الخفيفة وإن أدى لحنه إلى تغيير المعنى منعت إمامته. وأما المجذوم الخفيف الذي لا يظهر منه أذى ولا تنفر منه النفوس فإمامته جائزة أما إن كان الجذام بينا مؤذيا كرهت إمامته سدا لذريعة الأذى والنفور.
وهكذا يتبين أن المذهب المالكي يبني أحكامه في هذا الباب على الجمع بين صحة العبادة ومراعاة حال الجماعة وتحقيق مقصود الصلاة في السكينة والخشوع من غير تشديد ولا تفريط.
أحكام تتعلق بمكان الإمام والمأمومين
يتناول الفقه المالكي أحكام مكان الإمام والمأمومين باعتبارها من الأمور المؤثرة في كمال الصلاة وانتظام الجماعة إذ المقصود من الاجتماع وحدة الصف وسهولة الاقتداء ودفع كل ما يؤدي إلى التشويش أو الاختلاف في المتابعة. ومن المسائل المشهورة كراهة الصلاة بين الأساطين أي الأعمدة القائمة في المساجد لأنها تقطع الصفوف وتفرق الجماعة وتمنع استقامة الصف واتصال المأمومين بعضهم ببعض، وقد تفضي إلى خفاء رؤية الإمام أو سماع تكبيره فكانت الكراهة هنا مراعاة لنظام الصلاة لا لذاتها. غير أن هذه الكراهة تزول عند الحاجة كما في ضيق المسجد أو كثرة المصلين إذ المقصود الأعظم تحصيل الجماعة ولا يكلف الناس بما فيه حرج أو مشقة زائدة.
ومن الأحكام المتصلة بالمكان حكم التقدم على الإمام، فالأصل أن يكون الإمام متقدما على المأمومين لأن التقدم علامة الإمامة ومظهر الاقتداء فإذا تقدم المأموم على إمامه عمدا بطلت صلاته عند المالكية لأنه خالف هيئة الجماعة وخرج عن معنى الاقتداء، أما إن وقع التقدم سهوا أو جهلا فإنه يتدارك بالرجوع إلى موضعه وتصح صلاته إذا لم يطل الفصل وهذا من باب التيسير ودفع الحرج عن المصلين.
ويرتبط بذلك شرط عدم وجود حائل يمنع الاقتداء فلا تصح الجماعة إذا كان بين الإمام والمأمومين حاجز يمنع رؤية الإمام أو سماع صوته كجدار مصمت أو باب مغلق لا ينقل الصوت لأن الاقتداء مبني على العلم بأفعال الإمام، أما الحائل اليسير كالسترة أو العمود أو الزجاج الذي ينقل الصوت فلا يمنع صحة الاقتداء ما دام الاتصال معنويا قائما وتتحقق المتابعة بالفعل أو بالسماع، كما يشترط اتصال الصفوف بحيث لا يكون بين الإمام والمأمومين بعد فاحش يقطع عرفا معنى الجماعة لأن الجماعة اجتماع حسي ومعنوي معا. وتظهر حكمة هذه الضوابط في حفظ نظام الصلاة وصيانة هيئة الجماعة وتحقيق مقصد الاقتداء الكامل بعيدا عن الفوضى والاضطراب لتبقى الصلاة جامعة للقلوب والأبدان على صورة واحدة من الخشوع والانتظام.
إمامة غير المرغوب فيهم عرفًا
يتناول الفقه المالكي مسألة إمامة غير المرغوب فيهم عرفا وهي من المسائل الدقيقة التي تراعي مقاصد الشريعة وحال الجماعة إذ إن الإمامة ليست مجرد صحة الأركان بل مقام يجتمع فيه الناس على قلب واحد وخشوع مشترك، فقد يكون الإمام مستجمعا لشروط الصحة سليم الدين ظاهر العدالة صحيح الصلاة، غير أن الجماعة تنفر منه لخصال شخصية كحدة الطبع أو سوء المعاملة أو ضعف الحكمة في الخطاب وهذه الأمور لا ترقى إلى فسق ولا تقدح في العدالة. ومثل هذا الإمام تصح إمامته من حيث الحكم الفقهي لأن الأصل اعتبار العدالة وصحة الصلاة ولا يرد الاقتداء لمجرد الكراهة النفسية، إذ الأحكام لا تبنى على الأهواء والانطباعات المجردة، غير أن المالكية يراعون أثر النفور على الخشوع لأن مقصود الجماعة اجتماع القلوب قبل اجتماع الأبدان فإذا كانت الكراهة عامة غالبة وتؤدي إلى تشويش الصلاة أو تفرق الصف فإن تقديمه للإمامة يكون مكروها لا باطلا.
والكراهة هنا كراهة تنزيه مبناها مراعاة المصلحة العامة ودفع ما يضعف حضور القلب ولا علاقة لها بالحكم على دين الإمام أو أمانته، ومن فقه هذه المسألة أن الإمام ينبغي أن يكون مقبولا في الناس حسن السمت لين الجانب قريبا من القلوب لأن الإمامة موضع قدوة وتأثير، كما أن الجماعة مطالبة بتحكيم العدل والإنصاف وألا تبني نفورها على أهواء أو خصومات دنيوية فإن النفور غير المعتبر شرعا لا يلتفت إليه ولا يسقط حق الإمام في التقديم، فإذا أمكن دفع النفور بالنصح والتوجيه أو بتقديم من هو أرفق بالناس كان ذلك أولى وأكمل تحقيقا لمقصد الخشوع وجمع الكلمة.
وتظهر حكمة المالكية في هذا الباب إذ جمعوا بين صحة العبادة ومراعاة حال النفوس فلم يبطلوا الصلاة ولم يهملوا أثر النفور على روح الجماعة، وبذلك تبقى الإمامة وسيلة للائتلاف لا سببا للنزاع ومعينا على الخشوع لا مدخلا للتشويش والفرقة.
إمامة الراتب وغير المعلوم حاله
يتناول الفقه المالكي مسألة إمامة الراتب وغير المعلوم حاله وهي مسألة دقيقة تتعلق باستقرار الجماعة وانتظام الصلاة في المساجد وقد أشار إليها ابن عاشر بقوله: "وراتب مجهول" والمقصود بالراتب الإمام الذي عيّن للصلاة في مسجد معين وواظب على الإمامة فيه بإذن أهل المسجد أو من له الولاية. فإذا كان هذا الإمام راتبا ولم يظهر منه ما يقدح في دينه أو صلاته فإن الاقتداء به صحيح ولو جهل حاله باطنا، لأن الأصل في المسلمين السلامة والشريعة لا تكلف الناس البحث عن السرائر ولا التفتيش عن خفايا الأحوال.
فجهل حال الإمام هنا لا يضر ما دام ظاهره الاستقامة وصلاة الجماعة تبنى على الظاهر، ولهذا استثنى المالكية الإمام الراتب رفعًا للحرج ودفعًا للوسوسة وحفظا لوحدة الجماعة واستمرار العبادة، أما إذا ظهر من الإمام الراتب ما ينافي العدالة كفسق ظاهر أو إخلال بالصلاة فحينئذ لا يقتدى به إلا لضرورة وتنتفي عنه خصوصية الراتب لأن الرتبة لا تعصم من الخلل.
ثم انتقل الناظم إلى ذكر أحكام إمامة بعض الأصناف كالعبد والأغلف والخصي وابن الزنا وهذه المسائل تظهر فيها دقة التفريق بين الصحة والكراهة، فإمامة العبد صحيحة عند المالكية لأن العبودية لا تنقص من دين الإنسان ولا من صحة عبادته غير أن تقديم الحر أولى عند السعة لما له من كمال الولاية واستقلال التصرف، وكذلك تصح إمامة الأغلف وهو غير المختون إذا كانت صلاته صحيحة لأن الختان شرط كمال لا شرط صحة في الصلاة إلا أن الأولى تقديم المختون خروجا من الخلاف ومراعاة للأكمل، وأما الخصي فإمامته جائزة لأن الخصاء لا يقدح في العدالة ولا يؤثر في صحة الأركان وإنما هو وصف خلقي لا مدخل له في العبادة، وكذلك ابن الزنا فإن إمامته صحيحة عند المالكية إذ لا يؤاخذ المرء بذنب غيره ولا أثر للنسب في صحة الدين وإنما المعتبر التقوى وصحة العمل.
غير أن هذه الأصناف وإن صحت إمامتهم فقد تكره عند وجود غيرهم مراعاة لما جرى به العرف ودفعا لما قد يقع في نفوس العامة من نفور أو اضطراب، وبذلك يظهر أن المذهب المالكي يفرق بوضوح بين صحة الاقتداء وبين الأفضل والأكمل في الإمامة جامعا بين أحكام الشرع ومراعاة أحوال الناس وتحقيق مقصود الجماعة من اجتماع وخشوع وانتظام.
أسئلة التقويم
- عرّف الإمامة في الصلاة تعريفا فقهيا مبينا حكمها الشرعي ومقصدها في تنظيم العبادة وتحقيق وحدة الجماعة.
- اذكر الشروط المتعلقة بذات الإمام عند المالكية مع بيان الحكمة من اشتراط الذكورة والتكليف والإتيان بالأركان ومعرفة أحكام الصلاة.
- بيّن شرط العدالة والاستقامة في الإمام ووضح معنى نفي الفسق وأثر الفسق الظاهر في صحة الاقتداء عند المالكية مع ذكر حالة الضرورة.
- اشرح شرط سلامة اللسان من اللحن المفسد وميّز بين اللحن الجلي واللحن الخفي واذكر متى يمنع اللحن صحة الإمامة ومتى لا يمنع.
- تحدث عن أحكام إمامة الجمعة مبيّنا خصوصيتها وشروط الإمام فيها مع شرح قول ابن عاشر في جمعة حر مقيم عددا
- اذكر أحكام الإمامة المتعلقة بالعيوب البدنية وبيّن الفرق بين ما يمنع الإمامة وما يكره منها مع أمثلة كالسلس والأشل والأعمى والمجذوم الخفيف.
- بيّن الأحكام المتعلقة بمكان الإمام والمأمومين موضحا كراهة الصلاة بين الأساطين وحكم التقدم على الإمام وضابط الحائل المانع من الاقتداء.
إجابات أسئلة التقويم
- عرّف الإمامة في الصلاة تعريفا فقهيا مبينا حكمها الشرعي ومقصدها في تنظيم العبادة وتحقيق وحدة الجماعة
الإمامة في الصلاة هي تقدّم شخصٍ للصلاة ليُقتدى به في أفعالها وأقوالها على وجهٍ مخصوص شرعًا، وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع وحكمها في الجملة سنة مؤكدة في الصلوات الخمس وفرض كفاية في الجمعة، ومقصودها الشرعي تحقيق انتظام العبادة ومنع الفوضى في أداء الصلاة وجمع القلوب على هيئة واحدة تعكس معنى الوحدة والطاعة والانضباط، كما أن تقديم الإمام يحقق مبدأ الاقتداء والتعلم العملي لأحكام الصلاة ويغرس معاني النظام والائتلاف بين المصلين.
- اذكر الشروط المتعلقة بذات الإمام عند المالكية مع بيان الحكمة من اشتراط الذكورة والتكليف والإتيان بالأركان ومعرفة أحكام الصلاة.
اشترط المالكية في الإمام شروطًا تتعلق بذاته أولها الذكورة فلا تصح إمامة المرأة للرجال لأن الصلاة مبنية على التوقيف ولما في ذلك من صيانة للهيئة العامة للصلاة، واشترطوا التكليف أي البلوغ والعقل لأن غير المكلف لا يؤمن منه الإخلال بالصلاة ولا يطالب بضبط أحكامها، واشترطوا الإتيان بالأركان بأن يكون الإمام قادرًا على أداء أركان الصلاة فعلاً وقولًا فلا تصح إمامة من يعجز عن ركن كالركوع أو السجود مع القدرة عند المأمومين، كما اشترطوا معرفة أحكام الصلاة أي أن يكون على علمٍ بما تصح به الصلاة وما تفسد به ليحسن التصرف عند السهو أو الخطأ لأن الإمام ضامن لصلاة من خلفه.
- بيّن شرط العدالة والاستقامة في الإمام ووضح معنى نفي الفسق وأثر الفسق الظاهر في صحة الاقتداء عند المالكية مع ذكر حالة الضرورة.
العدالة الظاهرة شرط معتبر عند المالكية ومعناها أن يكون الإمام مستقيم الظاهر غير مشهور بفسق أو خرق للمروءة، والمراد بنفي الفسق ألا يكون مرتكبًا لكبيرة أو مصرًا على صغيرة، فإذا كان فسقه ظاهرًا كشارب الخمر علنًا أو تارك للصلاة في غير الجماعة كُره الاقتداء به أو مُنع على خلاف في بعض الصور، وتصح الصلاة خلفه عند الضرورة كعدم وجود غيره أو الخوف من الفتنة لأن الجماعة لا تُترك بالكلية ومع ذلك يبقى الاقتداء بالفاسق خلاف الأولى لما في ذلك من مخالفة لمقصد التعظيم لشعيرة الصلاة.
- اشرح شرط سلامة اللسان من اللحن المفسد وميّز بين اللحن الجلي واللحن الخفي واذكر متى يمنع اللحن صحة الإمامة ومتى لا يمنع.
اللحن في القراءة نوعان لحن جلي وهو الخطأ الذي يغيّر المعنى أو يخل بألفاظ الفاتحة كإبدال حرف بحرف أو حركة بحركة مؤثرة وهذا يمنع صحة الإمامة إذا وقع في الفاتحة، لأن الفاتحة ركن ولحنها المفسد يبطل الصلاة. أما اللحن الخفي فهو ما لا يغيّر المعنى كالإخلال ببعض أحكام التجويد فهذا لا يمنع صحة الإمامة لكنه مكروه ويمنع الاقتداء بالإمام إذا كان لحْنه الجلي دائمًا والمأموم يحسن القراءة أما إن كان المأموم مثله أو أقل فلا منع مع الكراهة.
- تحدث عن أحكام إمامة الجمعة مبيّنا خصوصيتها وشروط الإمام فيها مع شرح قول ابن عاشر: "في جمعة حر مقيم عددا".
لصلاة الجمعة خصوصية عند المالكية لذلك شددوا في شروط إمامها واشترطوا فيه الحرية فلا تصح جمعة بإمامة عبد، والذكورة، والإقامة فلا تصح بإمام مسافر، واعتبروا العدد المعتبر في الجمعة وهو العدد الذي تنعقد به الجمعة ويكون الإمام واحدًا منه، ومعنى قول ابن عاشر: "في جمعة حر مقيم عددا" أن الإمام لا بد أن يكون حرًا مقيمًا مستوفيًا لشروط الانعقاد داخل العدد المعتبر لأن الجمعة شعيرة عامة مرتبطة بالاستيطان والاستقرار.
- اذكر أحكام الإمامة المتعلقة بالعيوب البدنية وبيّن الفرق بين ما يمنع الإمامة وما يكره منها مع أمثلة كالسلس والأشل والأعمى والمجذوم الخفيف.
العيوب البدنية منها ما يمنع الإمامة ومنها ما يكره فقط، فالسلس الدائم والقروح المكشوفة التي لا يمكن ضبطها تُكره إمامتها لما فيها من انشغال وعدم كمال الطهارة مع صحة الصلاة عند الضرورة، والأشل الذي يعجز عن بعض الأركان تكره إمامته للأصحاء، والأعمى تجوز إمامته إذا كان يحسن الصلاة ويضبط أوقاتها، والعنين والألكن تجوز إمامتهما إذا لم يخل ذلك بالأركان ولا بالقراءة، والمجذوم الخفيف تجوز إمامته إذا أُمن الضرر، فالضابط هو التمييز بين ما يخل بصحة الصلاة فيمنع، وما يخل بكمالها فيكره.
- بيّن الأحكام المتعلقة بمكان الإمام والمأمومين موضحا كراهة الصلاة بين الأساطين وحكم التقدم على الإمام وضابط الحائل المانع من الاقتداء.
يُكره عند المالكية أن يصلي الإمام أو المأموم بين الأساطين إذا كان ذلك يقطع الصفوف ويشوّه انتظامها، كما يُمنع تقدم المأموم على الإمام عمدًا لأنه يخالف هيئة الاقتداء ويُشترط لصحته ألا يوجد حائل يمنع المتابعة كجدار صلد يمنع الرؤية والسماع إلا إن كانت الصفوف متصلة أو وُجد ما يحقق الاقتداء كالسماع أو العلم بأفعال الإمام، فالعبرة بإمكان المتابعة عرفًا.
